القرطبي
306
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عليهم في العبادة ونختبرهم . والكاف في موضع نصب . ( بما كانوا يفسقون ) أي بفسقهم . وسئل الحسين بن الفضل : هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتا ، والحرام يأتيك جزفا جزفا ؟ قال : نعم ، في قصة داود وأيلة " إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم " . وروي في قصص هذه الآية أنها كانت في زمن داود عليه السلام ، وأن إبليس أوحى إليهم فقال : إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت ، فاتخذوا الحياض ، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها ، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء ، فيأخذونها يوم الأحد . وروى أشهب عن مالك قال : زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل خيطا ويضع فيه وهقة ( 1 ) ، وألقاها في ذنب الحوت ، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى الأحد ، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع هذا لا يبتلى حتى كثر صيد الحوت ، ومشي به في الأسواق ، وأعلن الفسقة بصيده ، فقامت فرقة من بني إسرائيل ونهت ، وجاهرت بالنهي واعتزلت . وقيل ( 2 ) : إن الناهين قالوا : لا نساكنكم ، فقسموا القرية بجدار . فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إن للناس لشأنا ، فعلوا على الجدار فنظروا فإذا هم قردة ، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم ، فعرفت القردة أنسابها من الإنس ، ولم تعرف الإنس أنسابهم من القردة ، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فيقول : ألم ننهكم ! فتقول برأسها نعم . قال قتادة : صار الشبان قردة والشيوخ خنازير ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم . فعلى هذا القول إن بني إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين . ويكون المعنى في قوله تعالى ( وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) أي قال الفاعلون للواعظين حين وعظوهم : إذا علمتم أن الله مهلكنا فلم تعظوننا ؟ فمسخهم الله قردة . ( قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) أي قال الواعظون : موعظتنا إياكم معذرة ( إلى ( 3 ) ربكم ) ، أي إنما يجب علينا أن نعظكم لعلكم تتقون . أسند
--> ( 1 ) الوهق ( بالتحريك وتسكن الهاء ) : الحبل في طرفيه أنشوطة يطرح في عنق الدابة والإنسان حتى تؤخذ . والأنشوطة : عقدة يسهل انحلالها ، إذا أخذ بأحد طرفيها انفتحت كعقدة التكة . ( 2 ) في ب وج وع وى : ويقال . ( 3 ) من ب وج وك وى .